الشوكاني

167

نيل الأوطار

خلافا ، وهكذا يقدم الدين على الوصية . قال في الفتح : ولم يختلف العلماء في أن الدين يقدم على الوصية إلا في صورة واحدة ، وهي ما لو أوصى لشخص بألف مثلا وصدقه الوارث وحكم به ، ثم ادعى آخر أن له في ذمة الميت دينا يستغرق موجوده وصدقه الوارث ، ففي وجه للشافعية أنها تقدم الوصية على الدين في هذه الصورة الخاصة ، وأما تقديم الوصية على الدين في قوله تعالى : * ( من بعد وصية يوصي بها أو دين ) * ( سورة النساء ، الآية : 12 ) فقد قيل في ذلك إن الآية ليس فيها صيغة ترتيب ، بل المراد أن المواريث إنما تقع بعد قضاء الدين وإنفاذ الوصية ، وأتى بأو للإباحة وهي كقولك : جالس زيدا أو عمرا ، أي لك مجالسة كل واحد منهما اجتمعا أو افترقا . وإنما قدمت لمعنى اقتضى الاهتمام بتقديمها ، واختلف في تعيين ذلك المعنى ، وحاصل ما ذكره أهل العلم من مقتضيات التقديم ستة أمور ، أحدها : الخفة والثقل كربيعة ومضر ، فمضر أشرف من ربيعة ، لكن لفظ ربيعة لما كان أخف قدم في الذكر وهذا يرجع إلى اللفظ . ثانيها : بحسب الزمان كعاد وثمود . ثالثها : بحسب الطبع كثلاث ورباع . رابعها : بحسب الرتبة كالصلاة والزكاة ، لأن الصلاة حق البدن والزكاة حق المال ، فالبدن مقدم على المال . خامسها : تقديم السبب على المسبب كقوله تعالى : * ( عزيز حكيم ) * ( سورة البقرة ، الآية : 209 ) . وقال بعض السلف : عز فلما عز حكم . سادسها : بالشرف والفضل كقوله تعالى : * ( من النبيين والصديقين ) * ( سورة النساء ، الآية : 69 ) وإذا تقرر ذلك فقد ذكر السهيلي أن تقديم الوصية في الذكر على الدين ، لأن الوصية إنما تقع على سبيل البر والصلة ، بخلاف الدين فإنه إنما يقع غالبا بعد الميت بنوع تفريط ، فوقعت البداءة بالوصية لكونها أفضل . وقال غيره : قدمت الوصية لأنها شئ يؤخذ بغير عوض ، والدين يؤخذ بعوض ، فكان إخراج الوصية أشق على الوارث من إخراج الدين ، وكان أداؤها مظنة للتفريط ، بخلاف الدين فإن الوارث مطمئن بإخراجه فقدمت الوصية لذلك ، وأيضا فهي حظ فقير ومسكين غالبا ، والدين حظ غريم يطلبه بقوة ، وله مقال كما صح عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : إن لصاحب الدين مقالا . وأيضا فالوصية ينشئها الموصي من قبل نفسه ، فقدمت تحريضا على العمل بها بخلاف الدين . قال الزين بن المنير : تقديم الوصية في الذكر على الدين لا يقتضي تقديمها في المعنى لأنهما معا قد ذكرا في سياق البعدية ، لكن الميراث يلي الوصية ولا يلي الدين في اللفظ ، بل هو بعد بعده ، فيلزم أن الدين يقدم في الأداء باعتبار القبلية فيقدم الدين على الوصية ،